تفسير سورة التكوير الآية 8

وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ 4 وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 5 وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ 6 وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ 7 وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ 9 وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ 10 وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ 11 وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ 12

تفسير الآية 8

تفسير وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ

وقوله: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأه أبو الضحى مسلم بن صبيح ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) بمعنى: سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، في قوله: ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ ) قال: طلبت بدمائها .
حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، قال: قال أبو الضحى ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ ) قال: سألت قَتَلَتها .
ولو قرأ قارئ ممن قرأ ( سألَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) كان له وجه، وكان يكون معنى ذلك من قرأ ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان، كما يقال: قال عبد الله: بأيّ ذنْبٍ ضُرب؛ كما قال عنترة:
الشَّــاتِمَيْ عِـرْضِي ولـم أشْـتُمْهُما
والنَّـــاذِرَيْنِ إذَا لَقِيتُهُمــا دَمــي (3)
وذلك أنهما كانا يقولان: إذا لقينا عنترة لنقتلنَّه، فحكى عنترة قولهما في شعره؛ وكذلك قول الآخر:
رَجُــلانِ مِــنْ ضَبَّــةَ أخْبَرَانـا
أنَّـــا رأيْنــا رَجُــلا عُرْيانــا (4)
بمعنى: أخبرانا أنهما، ولكنه جرى الكلام على مذهب الحكاية. وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الأمصار: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) بمعنى: سُئلت الموءودة بأيّ ذنب قُتلت، ومعنى قُتلت: قتلت غير أن ذلك ردّ إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون: وإذا الموءودة سألت قتلتها ووائديها، بأيّ ذنب قتلوها؟ ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله، فقيل: بأيّ ذنب قتلت.
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ ذلك ( سُئِلَتْ ) بضم السين ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) على وجه الخبر، لإجماع الحجة من القراء عليه. والموءودة: المدفونة حية، وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها؛ ومنه قول الفرزدق بن غالب:
وِمَّنـا الـذي أحْيـا الوَئِيـدَ وَغـائِب
وعَمْــروٌ, ومنَّــا حـامِلونَ ودَافـعُ (5)
يقال: وأده فهو يئده وأدا، ووأدة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) هي في بعض القراءات: ( سأَلَتْ * بِأيّ ذَنْب قُتلَتْ ) لا بذنب، كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، قال: " فأعْتِقْ عَنْ كُلّ وَاحِدَةٍ بَدَنَةً" .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) قال: كانت العرب من أفعل الناس لذلك .
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيع بن خيثم بمثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) قال: البنات التي كانت طوائف العرب يقتلونهنّ، وقرأ: ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) .
--------------------
الهوامش :
(3) البيت لعنترة ، وهذه الرواية مختلفة عن روايته التي رواها المؤلف في الجزء ( 29 : 208 ) وهي : " والناذرين إذا لم ألقهما دمى " . بنفي الفعل ، وهي كذلك في ( شرحي الزوزني والتبريزي للمعلقات ، ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي 380 ) . أما رواية بيت الشاهد في هذا الموضع فمصدرها الفراء في معاني القرآن ( الورقة 359 ) فهكذا أنشد البيت الفراء في تفسير قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } وقد نقلنا كلامه في توجيهها تحت الشاهد الآتي : " رجلان من ضبة ... " البيتين . ومعنى الروايتين في الحقيقة يؤول إلى شيء واحد وإن اختلف اللفظ بين الإثبات والنفي .
(4) البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن ( 359 ) قال بإسناده عن ابن عباس : إنه قرأ : { وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت } وقال : هي التي تسأل ( بفتح التاء ) ولا تسأل ( التاء مضمومة ) . وقد يجوز أن تقرأ : أي ذنب قتلت ؟ ( التاء الأخيرة تاء الفاعل مفتوحة ، والفعل مبني للفاعل ( كما نقول في الكلام ) عبد الله بأي ذنب ضرب، وبأي ذنب ضربت ؟ وقد مر له نظائر من الحكاية ، من ذلك قول عنترة :
الشَّــاتِمَيْ عِـرْضِي ولـم أشْـتُمْهُما
والنَّـــاذِرَيْنِ إذَا لَقِيتُهمــا دَمــي
والمعنى : أنهما كانا يقولان : إذا لقينا عنترة لنقتله ، فجرى الكلام في شعره على هذا المعنى ، واللفظ مختلف . وكذلك قوله : " رجلان من ضبة ... " البيتان . والمعنى : أخبرنا أنهما ... إلخ ولكنه جرى على مذهب القول ، كما تقول : قال عبد الله : إنه ذاهب ، وإني ذاهب ، والذهاب له في الوجهين جميعا . ومن قرأ : { وإذا الموءودة سئلت } ففيه وجهان : سئلت هي ، فقيل لها : بأي ذنب قتلت ؟ ثم يجوز قتلت ، كما جاز في المسألة الأولى . ويكون " سئلت " سئل عنها وائدوها ، كأنك قلت : طلبت منهم ، فقيل : أين أولادكم ؟ وكيف قتلتموهم . وكل الوجوه حسن بين ، إلا أن الأكثر " سئلت " فهو أحبها إلي . ا هـ .
(5) البيت للفرزدق ( ديوانه طبعة الصاوي 517 ) ولكنه ملفق من البيتين الخامس والسابع في القصيدة ، وهما :
5 - ومِنَّـا الـذي أحْيـا الوَئِيدَ وغالِبٌ
وَعمُــروٌ وَمِنَّـا حـاجِبٌ والأقـارِعُ
7 - نَمَـوْنِي فأشْـرَفْتُ الْعَـلايَةَ فَوْقَكُمْ
بُحُــورٌ ومِنَّــا حــامِلُون وَدَافِـعُ
والبيت أورده المؤلف بهذه الصورة شاهدا عند قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } وأنشد أبو عبيدة عند الآية شاهدا آخر للفرزدق أيضا ، وهو :
وَمِنـــا الَّــذِي منــع الْوَائِــدَاتِ
وأحْيــا الْوَئِيــدَ فَلَــمْ يُــوءَدِ
قال : وهو صعصعة بن ناجية جده .